تربويات




‏إظهار الرسائل ذات التسميات تربويات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تربويات. إظهار كافة الرسائل





المثاقفة في الأنثروبولوجيا والفكر المعاصر

-         المثاقفة (Acculturation) مفهوم ينتمي إلى حقل "الانثروبولوجيا الثقافية لكنه صار جوالا بين حقول ابستمولوجية مختلفة (التاريخ،الحضارة،الفلسفة،علم الاجتماع،علم السياسة،علوم الإعلام،علوم التربية..)
-         جميع الكيانات البشرية هي كائنات حية ومتطورة بمعني أنها تنمو وتتغير وتتجدد باستمرار
-         المجتمعات البشرية لايمكن أن تستمر إلى الأبد كمجرد مستهلك عقيم  للثقافة حيث تلجأ إلى تحديثها تحت ضغط شروط وظروف ثقافية معينة (التفاعل الاجتماعي- الاتصال بثقافات أخرى.
-         المثاقفة تدل على ظاهرة تأثير وتأثر داخل الثقافات البشرية(توثر في بعضها البعض) بفعل اتصال واقع بينها مهما كانت طبيعته ومدته.
-         المثاقفة هي رد فعل كيان ثقافي تجاه تأثيرات ثقافية قادمة من خارجه وتمارس عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.
1-    كيفية واعية مقصودة
2-    كيفية تقبلية لاشعورية
3-    تأثير قوى فاعلة في المجتمع (أجهزة إيديولوجية)

-         كل ثقافة تقوم بعملية تصدير ثقافي بحيث تنقل سماتها الثقافية الى الكيان الثقافي الآخر وفي الوقت نفسه تقوم بعملية استيراد ثقافي.
الانثروبولوجيا الثقافية تبرر هذه العملية من خلال تيارين فكريين:
1-    تيار تاريخي:

-          يعتبر أن الثقافات البشرية تتطور بفعل الانتشار وأنه ما من ثقافة بشرية خلقت كاملة ومرة واحدة والى الأبد(كل الثقافات تقوم على التفاعل والتبادل
-         كل ثقافة لديها استعداد وقابلية لاستيعاب الأفكار الجديدة بحسب درجة المقاومة والممانعة والحدود التي تفرضها البيئة الطبيعية.

2-    تيار وظيفي:

-         (يقلل من أهمية التيار الأول) من خلال تركيز الاهتمام على وظيفة الظاهرة/ المثاقفة في كل مجتمع بشري بدراسة أشكال المعرفة/ رصد تطور/ تحوّل المؤسسة الاجتماعية/ تطور أدوارها وأوضاعها/ دور المؤسسة الاجتماعية في البنية الكلية أو العامة(من الأسرة إلى المتجمع،أو من المجتمع إلى الدولة ... من الميكرو إلى الماكرو)
-         التيار الوظيفي يؤمن بالنزعة الغائية إذ لا توجد مؤسسة ما في أي مجتمع بشري نمت بالصدفة وبشكل فجائي وعشوائي (هذا التيار يمثله Franz Boas 1858- 1942،الى جانب مالينوفسكي و  Radcliffe brown.

الثقافة والتنوع الثقافي في الفكر المعاصر

-         حصول تحولات تدريجية في خطاب الانثروبولوجيا الغربية التي كانت تعتبر الثقافة الغربية استثناء حيث بدأت الإرهاصات الأولى لأفكار الاختلاف الثقافي /التعدد الثقافي/ تساوي جميع الثقافات.

-         = تطور الوعي الغربي تجاه إشكالية الثقافة بنزوعه نحو الاعتراف المبدئي والتدريجي نحو تساوي جميع الثقافات البشرية.

-         اعتبر كلود ليفي ستراوس في كتابه : العرق والتاريخ  أن الازدهار الحضاري والثقافي لايمكن أن يتحقق إلا في ظروف انفتاح الثقافات على بعضها مما يؤدي الى تفاعلها وتلاقحها.

-         Race et Histoire (C.L. STRAUSSE ,Paris,Contier 1977   هو محاضرة ألقاها ستراوس بمناسبة السنة الدولية لمناهضة العنصرية،المنظمة من طرف اليونسكو سنة 1952،ينفي من خلالها وجود علاقات ضرورية ومباشرة بين تقدم الثقافات البشرية وبين ما يشار إليه على أنه تفوق وامتياز عرقي.

-         التنوع الثقافي مصدر للتجديد والإبداع والتبادل وقد أصبح ضرورة للجنس البشري تماما كما هو الأمر بالنسبة للتنوع البيولوجي في مجال الكائن الحي،لذلك بات من الضروري الاعتراف به والحفاظ عليه من أجل مصلحة الأجيال الحالية والقادمة.

-         أغلب مجتمعات الألفية الثالثة ستكون مجتمعات متعددة الثقافات وهذا يطرح الإشكال التالي: هل يجب قبول التعددية الثقافية أم رفضها؟ وماهي حدود هذا القبول وهذا الرفض (خاصة وأن المثاقفة لاتصنع متخيلا متجانسا بقدرما تؤسس لمسخ/انسلاخ هوياتي وتغريب للمجتمعات/الشعوب)

-      Sophie Bessis (L occident et les autres, Histoire d’une suprématie)

عرفت بنقدها للأطروحات الجديدة حول صراع/ صدام الحضارات بحيث تعتبرها ترتكز على التناقض الثقافي والحضاري بين الغرب والعالم العربي الإسلامي وتهمل الأسباب الفعلية للصراع والتي لاتخرج عن الهيمنة الاقتصادية من خلال "عولمة إيديولوجيا تؤمن بتفوق الغرب وترسيم هذه الصورة في المتخيل (العربي الإسلامي) إلى جانب خلق تنميط ثقافي على مستوى العالم بأسره uniformatisation culturelle (تأسيس نموذج وأسلوب محدد في الحياة والسلوك والتفكير والرغبات والتحكم في الأذواق وأنماط العيش والاستهلاك والاتجاهات الفنية والقيم الأخلاقية)

-         غايتها: تأسيس ثقافة كونية تكرس مركزية ثقافة مهيمنة تسعى للاكتساح التدريجي لفضاءات ومجالات جميع كيانات الثقافات القومية والقطرية والإقليمية والوطنية والمحلية.

-         الباحثون في الثقافات البشرية يتفقون على أن الثقافات الغازية والمستعمرة لايمكنها الانتشار والسيادة خارج مجالها الطبيعي دون اللجوء إلى توظيف القوة والعنف وتبرير الصراع والنزاعات والحروب(خلال المراحل الأولى للمواجهة مع الثقافات المغايرة)

-         أشكال القوة تتخذ شكلا مركبا ومتجانسا يعتمد الأدوات والأسلحة المادية ويجد امتداده في أشكال أخرى من طبيعة دينية أو أخلاقية أو فكرية أو سياسية أو إيديولوجية.

المثاقفة ذات طابع تاريخي انساني تتخذ أشكال متعددة في كل عصر

-         العصر القديم: انتشار العديد من مظاهر الثقافة اليونانية في القارة الآسيوية اقتفت أثر ومراحل زحف جيوش الاسكندر الأكبر.

-          اكتساح جيوش الامبراطورية الرومانية جميع مناطق حوض البحر المتوسط وهيمنة سمات الثقافة اللاتينية

العصر الوسيط: انتشار معالم الحضارة العربية الإسلامية تحت رايات المجاهدين والفاتحين.

العصر الحديث: هيمنة الثقافة الغربية الحديثة على أغلب الكيانات الثقافية في العالم بعد أن تعقبت طريق المكتشفين والمبشرين (تحت حماية الجيوش الغازية).

العصر المعاصر: ظهور خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان وفضائل التعدد الثقافي  الذي ولّد جموح ثقافة بشرية نحو الهيمنة على جميع الثقافات وخلق ثقافة إنسانية كونية (العولمة)= الهيمنة الثقافية تتحول إلى مثاقفة قهرية مفروضة داخل ثقافات ضعيفة ومهزومة وعاجزة عن إنتاج الأفكار والقيم التي تحتاج إليها مجتمعاتها (مما يعني عدم القدرة على مقاومة الهيمنة الثقافية مما يخلق للثقافات الضعيفة تبعية ثقافية
= هذه الهيمنة تصل إلى تطهير ثقافي حيث تصبح الهوية الثقافية للشعوب مهددة ومعرضة للتحول والتغيير والتفكك التام،مما يطرح سؤالا عريضا هو: ماذا يحدث لمجتمع فقد تزازنه الثقافي وبدأت تظهر عليه أعراض أزمة هوية ثقافية بسبب خضوعة لهيمنة ثقافية كاسحة لم تعد فيها ثقافته الوطنية هي المرجعية الوحيدة لأفراده،وغير قادرة على التكيف مع مكونات الثقافة الخارجية المهيمنة سواء كانت مفروضة بالعنف والقوة،أو تحت اكراهات وضغوطات قهرية لاسبيل لمواجهتها،أو لأن الفوارق ضخمة وسرعة الايقاعات كبيرة؟
 برهان غليون: التنمية الثقافية العربية بين التبعية والانغلاق- مجلة الوحدة-العدد 92- 1992).

في هذا الصدد يجب التذكير بأن "الهوية الثقافية" مصطلح ينتمي للانثروبولوجيا الثقافية فيما ينتمي مفهوم الهيمنةHégémonie)  ) إلى علم الاجتماع السياسي،وهو مفهوم تم اغناؤه في الفكر المعاصر عن طريق أنطونيو غرامشي (1937- 1981) الذي وظفه في سياق التحليل النقدي الماركسي لهيمنة أجهزة الدولة الإيديولوجية في المجتمعات الرأسمالية لتبرير وإضفاء المشروعية على سياستها وهو مفهوم وجد امتداده مع لويس ألتوسير (1990-1918).

التنميط الثقافي: يرتبط بخطاب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان حيث اتسعت مجالات هذا الخطاب الذي صار عبارة عن دعوة إلى الاقتداء واحتضان وتبني وتطبيق نموذج الديمقراطية الغربية باعتبارها أسمى مايمكن أن تطمح البشرية إلى تحقيقه= فرانسيس فوكوياما (كتاب:نهاية التاريخ/الإنسان الأخير) يؤكد على أطروحة تدعي الامتياز الاستثنائي للثقافة الغربية لكونها أنتجت قيما ثقافية لاتوجد إلا فيها وحدها،حيث يعتبر أن الثقافة الغربية متميزة عن غيرها ومتفوقة على سائر الثقافات الأخرى بل إنها غاية التاريخ البشري ونهايته)
توصيات
-        المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية (منظمة الأمم المتحدة 1982) تعتبر أن كل ثقافة بشرية تشكل منظومة من القيم،فريدة من توعها وغير قابلة للاستبدال،وبواسطة هذه القيم  ومختلف أشكال التعبير يتمكن كل شعب من الشعوب من تأكيد حضوره في العالم بشكل كامل.
-         الإعلان العالمي للتنوع الثقافي 2 نونبر 2001(منظمة اليونسكو) ينص على تأسيس فكر أخلاقي جديد يعمل على ضرورة احترام التنوع الثقافي لأنه تراث مشترك للإنسانية جمعاء.
 (البند 1: يتجسد التنوع الثقافي في أصالة وتعد الهويات التي تتميز بها الفئات والمجتمعات التي تتشكل منها البشرية – البند 5: إن الحقوق الثقافية تشكل جزء لايتجزأ من حقوق الانسان ذات الطابع الكوني)
خلاصات
الباحث الانجليزي : ويلي فان بيير في دراسته (صخب وهمس حول التعددية الثقافية) أكد أنه طيلة الفترة التي كان فيها الإغريق قوة عظمى في البحر المتوسط لم يصادف في انتاجهم الثقافي(الفسلفة والعلوم والأدب..) ما يدل على شعورهم بالاستعلاء والتفوق تجاه شعوب أخرى لكن هذا الشعور بدأ في الظهور والتضخم مع بداية مسلسل الهزائم السياسية والعسكرية اللاحقة (هذه الحالة صارت - حسب الباحث- تنطبق على المظاهر التي تتخذها الصحوة الجديدة للثقافة العربية الإسلامية لاعتبارين:
1-    رد الفعل على المهانة والاذلال الثقافي للعرب والمسلمين منذ بداية الاستعمار الغربي للبلاد العربية حيث ان هذه الوضعيات المأساوية تكررت على مر التاريخ البشري خاصة في ظروف الهزائم والانهيارات الكبرى التي تصاحبها مظاهر صارخة لغطرسة الثقافة الغازية وتحقيرها لماهو مختلف عنها مما يجعل المجتمعات المعتدى عليها ثقافيا تقوم بردود أفعال دفاعية كميكانيزمات دفاعية للمقاومة الثقافية تتمثل في الانطواء والعزلة عن العالم الخارجي وإذكاء مظاهر الكراهية تجاه الثقافة المعتدية،مقابل اتجاه آخر يتمسك بالثقافة المحلية/الوطنية إلى حد التعصب والمحافظة (مجتمعات محافظة) وهو ما يصطلح عليه بفكرة: الارتداد .


2-    عجز المجتمعات العربية عن إيجاد نموذج للقادة الذين يمنحون هذه الشعوب قدرا من الاهتمام مما يفرض ضرورة إصلاح الثقافات الوطنية وتجديدها لتصبح مؤهلة لاحتضان قضية الاختيار الديمقراطي في التفكير والتدبير والحكم كأس لكل مشروع حضاري تحرري وتنموي.


الأنشطة الموازية وترسيخ القيم.

ذ. عبد الحميد الصوفي

إذا كانت القيم، بٱعتبارها روافد السلوك المدني وتشمل كافة مناحي الحياة العامة وتجد لها امتدادات في المنظومة المجتمعية، فإن أبعادها الأخلاقية والتربوية المتعلقة بالتنشئة الاجنماعية يقع في صميم عمل المدرسة. لكونها إحدى أبرز المؤسسات المعنية ببناء السلوك المدني لدى المتعلمين والمتعلمات وترسيخ القيم الفاضلة في وجدانهم وسلوكاتهم، من خلال استحضار وظائفها المتعارف عليها والمتمثلة في التعليم والتعلم والتربية والتكوين والتأهيل.
تشكل إذن المدرسة الوسط الأول الذي تتشرب فيه الأجيال الصاعدة القيم المرتكزة على صيانة الثوابت الوطنية وتجسد روافد الهوية وثراء الثقافة واذا كان الشعور بالانتماء للأمة وتكريس الانفتاح الايجابي على القيم الانسانية والكونية واذا لم تنجح المدرسة في بلوغ تلك الغايات، فإن المجتمع سيفقد خط الدفاع ضد كل أشكال التطرف والعنف... إن المدرسة مطالبة اليوم بأن تتجاوز تلك الأدوار العتيقة وثقافة التلقين وبأن تكون قاطرة الحداثة والتحديث واإا سلمنا بدور المدرسة، بٱعتبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية في تربية وتعليم المتعلمين ثقافة القيم: فما هي القيم التي نريد؟ وعبر أي آلية يمكن ترسيخها؟.
يكتسي موضوع القيم أهمية بالغة لاعتبارات كثيرة منها:
إن القيم بما هي مجموع المبادئ والمعايير والقناعات والمثل العليا الراسخة في أعماق النفس البشرية، هي التي تعطي الوجود الانساني معنى، وتجعل الحياة جديرة بأن تحيا وهي لهذا السبب، تشكل المحدد الرئيس للسلوك البشري، بل الأساس الدي تقوم عليه كل محفزات السلوك الأخرى ودوافعه، لذلك لا يمكن الحديث عن تقويم سلوك الأفراد والجماعات، بغض النظر عن الأسس القيمية والمعيارية التي يقوم عليها ذلك السلوك.
اذن القيم هي أهم ما يجمع بين الناس، وهي في الوقت نفسه، أشد ما يفرق بينهم ويظهر أن الصراع الجوهري في عصرنا الحاضر، وحتى في العصور السالفة، ليس صراعا بين الحضارات أو الأديان أو الشعوب أو العرقيات أو حتى بين الطبقات الاجتماعية كما ترى بعض التصورات الماركسية، وانما هو بالأساس صراع بين قيم متباينة ومتعارضة ويدور هذا الصراع اليوم، أكثر فأكثر، بين منظومتين قيميتين رئيسيتين، تخضع إحداهما لمبادئ أخلاقية وإجتماعية وإنسانية وتقوم الثانية على أسس مادية وفردانية وأنانية... لهذه الأسباب وغيرها، تعتبر التربية على القيم الانسانية النبيلة هي السبيل الأقوم لاحراز التقدم والسلم وضمان التعايش والوئام والتماسك بين مختلف فئات المجتمع الواحد بل وبين مختلف المجتمعات والشعوب.
يقول الفيلسوف الهولاندي " باروخ اسبينوزا '' مثلا، وهو أحد فلاسفة القرن السابع عشر " لا شيء أنفع للإنسان من الإنسان " غير أن الناس لا يستطيعون أن يحفظوا وجودهم، وينفعوا بعضهم البعض، إلا إذا تشبعوا بقيم العقل والمودة والإخاء، وسعوا إلى ما هو مفيد لأنفسهم وفقا للعقل، ولا يتمنون لأنفسهم شيئا لا يتمنونه لسائر البشر ويتصف سلوكم بالتالي بالعدالة والإخلاص والشرف.
تحظى التربية على القيم، بالمعنى السالف الذكر، بمكانة خاصة في نظامنا التعليمي والتربوي المغربي، يتجلى ذلك في الوثائق والتوجيهات الرسمية، وفي جل الأدبيات التربوية المتعلقة بالمدرسة المغربية، فالميثاق الوطني للتربية والتكوين، مثلا، يركز على التربية على قيم المواطنة، وحقوق الانسان وممارسة الحياة الديمقراطية...وقد وجد هذا التوجه تجسيدا له في الكتاب الأبيض الذي ينص بدوره على التربية على المبادئ الاسلامية والمواطنة وحقوق الانسان والهوية الحضارية للمجتمع المغربي.
يواجه تجسيد هذه القيم على مستوى الممارسة التربوية اليومية تحديات كبيرة ومن أسباب ذلك، التفاوت الحاصل بينهما وبين بعض القيم السائدة في المجتمع، والاحتكاك المتزايد وبين مجتمعنا والمجتمعات الأخرى نتيجة الثورة الاعلامية والهجرة وتعدد مصادر المعرفة وأساليب التنشئة الاجتماعية، واتساع المسافة بين ما يلقن في المدرسة وما هو معيش في المجتمع ... كل هذه العوامل وغيرها تجعل من التربية على القيم إحدى المهام الصعبة التي تواجه المدرسة والتي لا يمكن انجازها على الوجه المطلوب إلا في إطار مدرسة وطنية تحظى بثقة المجتمع وتتمتع بمنزلة رفيعة داخله، وتعمل في تناغم مع باقي المؤسسات التربوية وخاصة منها الأسرة والمجتمع المدني والسياسي.
إن تلقين القيم هو فعل تربوي بامتياز ويمكن أن يتم عن طريق الأنشطة الموازية ( المسرح، الخرجات الترفيهية، العروض الموسيقية، الرياضة المدرسية..) حيث تعتبر هذه الأنشطة من الركائز الاساسية التي تجعل من المتعلم، يفجر طاقاته الكامنة وتساعده في امتلاك مهارات جديدة تمكنه من صقل مواهبه والتعبير عن مكنوناته.







أسماء عصامي.


هل نحن في حاجة الى الفلسفة؟

ما دمنا نعيش في عصر الصورة والفرجة والاستهلاك، فإن الأمر لا يخلوا من حضور الأسئلة المقلقة في الفضاء الاجتماعي والثقافي ونخشى أيضا من رؤية اندحار مفهوم الانسانية وأشكال العيش المشترك وتصاعد الخطابات الأصولية وانتشار العنف والاقصاء والتهميش وارتفاع الأصوات المطالبة بالحقوق وتراجع خطاب الواجب، فمن يشاهد اليوم وسائل الاعلام ينتابه شعور بالقلق وعدم الارتياح. إن دماء البعض تبدو أكثر قيمة من دماء الآخرين، فدماء الأمريكي أو الأوربي أثناء الحرب أو في عملية انفجار لها قيمة أكثر بكثير من دماء العديد من الأفارقة والعرب... والأمر نفسه لدماء الاسرائليين مقارنة مع دماء الفلسطنيين، هناك نوع من تجريد الانسان من انسانيته، حيث أصبح هذا الانسان بمثابة شيء يحسب بالأرقام، وإذا كان الخطاب الفلسفي في عمقه هو دفاع عن الانسان، فإننا في مسيس حاجة إلى الفلسفة هنا والآن.

إذن الفلسفة ليست ترفا أو اختيارا من بين اختيارات أخرى، بل هي ضرورة قصوى ومستعجلة لأنها نمط من التفكير وطريقة في فهم الأمور بناءا على التساؤل والنقد والحجاج...والفلسفة أيضا هي مقاومة وصراع ضد الرداءة بجميع أشكالها وتمظهراتها، عجبا لشعب بدون فلسفة، إن أفضل نعمة أنعم الله بها على الانسان هي الفلسفة وهي معيار التمييز بين الشعوب المتحضرة والهمجية، تاريخ الفلسفة هو تاريخ المقاومة. فمن سقراط الذي ضحى بحياته من أجل معرفة الحقيقة، وقول الحقيقة عن الذات، ومقاومة خطر نسيان الذات، إلى أرسطو الذي قسم القضايا إلى صادقة وكاذبة، فتلخص منطقه في مقاومة الكذب إلى ديكارت الدي قاوم الخطأ ووضع قواعد بسيطة وواضحة ومتميزة للعقل، ثم كانط الذي رفع شعار: ( فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك الخاص) ثم تظهر الفلسفة كصراع ضد الوهم وبعد ذلك ضد الايديولوجيا، أليس الفلاسفة هم أولئك الذين يناهضون الديكتاتوريات، أينما حلت وارتحلت وانطلاقا مما سبق يبدو أن في غياب الفلسفة يصبح التفكير تكفيرا والابداع جريمة.
غياب الفلسفة يترك فراغا كبيرا، هذا الفراغ لا يمكن أن يعبأ إلا بالجهل والعنف ولنا شهادة واقعية وحقيقية في تاريخ الفكر الانساني، في فرنسا خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وقع حدث موت مجموعة من الأطفال داخل المستشفى، بسبب اعطائهم دم ملوث وكان الطبيب المسؤول الأول عنهم هو Michel Garreta (ولد في باريس1944) وتمت محاكمته بتهمة تعريض حياة مجموعة من الأطفال للموت وعلى اثر هذا الحدث الأليم وقعت أزمة في الضمير المهني بفرنسا وحين استمع للطبيب تبين أنه شخص متمكن من مهامه، لكنه يفتقر إلى الجرأة والشجاعة لقول الحقيقة: أثناء المحاكمة كان الطبيب يردد الكلام التالي: ماذا لو قلت الحقيقة؟ وما حقيقة الحقيقة؟ وهي أسئلة فلسفية في حقيقة الأمر، لذلك تقرر في فرنسا خلال الثمانينيات من القرن الماضي جعل مادة الفلسفة، مادة أساسية في جميع المدارس العليا. وهذا ما تفتقر إليه المجتمعات التي تعيش خارج التاريخ، ألم يقل أرسطو: ينبغي على الانسان، إما أن يتفلسف أو يودع الحياة ويمضي من هنا، إذ يبدو أن كل ماعدا ذلك، إنما هو ثرثرة حمقاء ولغو فارغ.
تؤدي الفلسفة إلى تنمية الروح النقدية لدى الإنسان، فهو ذلك الكائن الذي ينبغي أن يرفض الوصايا والتسليم الأعمى بآراء الآخرين، فقد استطاع الفلاسفة والمفكرون بناء صرح الفكر النقدي، أمثال: كانط وماركس ونيتشه وهايدغر ودولوز...وصولا إلى فوكو وراولز.. هؤلاء ارتبطت عندهم الممارسة الفلسفية بسؤال النقد وبناء فهم جديد للإنسان وفي بلورة تصورات نقدية للذات والعالم والمجتمع والسياسة والأخلاق، ومن جهة أخرى نأسف لسوء تقدير مكانة الفلسفة في مجتمعاتنا التي تنوء تحث وطأة التخلف والاندحار، ففي الوقت الذي تسعى فيه البلدان الغربية إلى انتاج وتصدير الأفكار والتصورات، نحن نحارب الفكر المتنور، ونشجع على الدوغمائية والتعصب، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن يريد الدليل الملموس، فعليه العودة إلى ما يتم تدريسه في المدارس اليوم،من أفكار بالية وتصورات خرافية، والسبيل إلى الخروج من شرنقة التخلف والانحطاط ربما قد يكون عن طريق الحث على الفلسفة وجعلها روح المنهاج التعليمي وفي هذا السياق ، نكاد نمدح الفلسفة ونقول: أيتها الفلسفة، أمة الحياة، أنت التي تقودين إلى الفضيلة وتبعدين عن الرذيلة، بدونك أنت كيف كانت ستكون حياتنا، ليس نحن فقط، بل الانسانية جمعاء. أنت استدعيت الانسانية المشتتة كي تأتلف، لقد وحدتهم بداية في المسكن، ثم بالزواج، وأخيرا باللغة والكتابة، أنت التي دونت القوانين،علمت الأخلاق والحضارة، اليك أهود، منك أطلب الغوت، لك أهب نفسي خالصة، إن يوما واحدا مقضى على هدي مبادئك أجمل من حياة خالدة مقضاة في الخطأ.من الذي يفرّج عنا كروبنا إلا أنت، أنت منحتنا راحة الحياة وخلصتنا من رهبة الموت٠






حسن الادريسي

ابن رشد في مرآة الحداثة







بادئ ذي بدء، يمكن القول بأن اللقاء بين الحداثة وابن رشد(1198- 1126 م) من الصعب تصوره، إذ كيف يمكن رؤية فيلسوف ينتمي إلى القرون الوسطى في مرآة الحداثة أي الأزمنة الحديثة؟ لذلك يتعين علينا أن نزيح الالتباس الذي قد يثيره الكلام عن العلاقة المحتملة لابن رشد بالحـداثة،فقد يُفـهم من عنوان المقالة " ابن رشد في مرآة الحــداثة " ربط ابن رشد بالحداثة؛ أي اعتباره مؤسسا ورائدا للحداثة، إننا لا نقصد هذه الغاية أبدا،إيمانا منا بأن زمن ابن رشد ليس هو زمن الحداثة( بإشكالاته وموضوعاته وقضاياه)، فنحن لا نقصد أبدا أن يكون قد خطر على بال فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها التفكير في الحداثة وذلك لعدة أسباب :
أولا: لكون الحداثة كمشروع فكري ورؤية للطبيعة والإنسان والعالم هي وليدة القرن 17م وق 18م ، أي أنها ثمرة مجموعة عوامل تظافرت واكتملت فيما بينها ساهمت بشكل أو بآخر في إنتاج وميلاد هذا الذي نسميه ب "الحداثة "، هذا هو السبب الأول الذي يحجُب عنا رؤية ابن رشد في مرآة الحداثة.
أما السبب الثاني الذي يحجب عنا هذه الرؤية، فيتمثل في كون الحداثة تحققت بفضل احتلال الإنسان مركز الصدارة في العالم، فبعد القولة الشهيرة لديكارت(1596-1650) والتي افتتحت بها الحداثة تفكيرها وهي قولة " أنا أفكر إذن أنا موجود "je pense danc je suis صار الإنسان هو موضوع وأفق ومحط الاهتمام والتفكير، وهو الذي يشكل رهان السلوك والتفكير في آن واحد ، أي مع الأزمنة الحديثة- بدءا بالقرن 17م - وخصوصا مع ديكارت وكانط وهيجل أصبح فلك التفكير يدور حول مركز واحد هو مركز الإنسان،فهل تستطيع الفلسفة الرشدية أن تقدم لنا شيئا فيما يخص الذات التي أدت إلى ميلاد الإنسان الحديث وفيما يخص العقل الذي أدى إلى ميلاد العلم الحديث؟ بمعنى آخر، كيف يمكن الحديث عن حداثة ابن رشد؟
إن البحث عن الذات في آثار ابن رشد أمر صعب، فقد كان نموذج المعرفة لديه الذي ورثه عن اليونان هو البرهان " الذي يقتضي إلغاء الذات لصالح الموضوع "، استلزم احتلال الانسان مكان الذات تحقيق شرطين كما قال هايدغر " أولهما اعتبار الذات يقينا أولا، والثاني اعتبار هذا اليقين قوام كل يقين لاحق له "، وهذا الشرط يكاد يكون غائبا في فكر ابن رشد. هكذا نكون قد فشلنا في العثور على إحدى علامات الحداثة في المثنالرشدي، أقصد الذات أو الذاتية التي أدت إلى ميلاد مفهوم الإنسان.
ولكن مع ذلك، فهناك مؤشرات قوية أخرى تقول بأن الحداثة خرجت من معطف ابن رشد، أي أن التراث الرشدي الضخم، الفلسفي منه والعلمي، أسهم بشكل أو بآخر في دفع النهضة الأوربية لكي تتحول إلى حداثة، وهذا يعني أن هناك بذور توجد في الخطاب الرشدي لاستنبات واستحداث حداثة قوية من قلب هذا المتن. فكل من يتأمل مسار شخصية أبو الوليد ويُمعنُ النظر في بعض أفكاره الأساسية ومشروعه الفلسفي، لا يملك إلا أن يقدم على المغامرة للكلام في هذا الموضوع، فقد عُرف ابن رشد بكونه رمزا للعقلانية بكل ما تستدعيه من مرادفات ولواحق، أي العقل في تجليه العلمي القائم على البرهان ، فقد كان نموذج المعرفة لديه هو البرهان الذي يقتضي النظر إلى الطبيعة نظرة : عقلانية،علمية،موضوعية ومحايدة بعيدا عن أي تفسير غائي أو أسطوري كيفما كان.
الحداثة في بدايتها كرست هذا التصور، وخصوصا مع غاليليو، روني ديكارت وفرانسيس بيكون الذين قالوا بضرورة معرفة الطبيعة معرفة علمية، فقد أكد مؤسس الفيزياء الحديثة غاليليو سنة 1638م في كتابه الشهير" الخطابات " بأن " الطبيعة كتاب مفتوح مكتوب بلغة رياضية".
هذا القول نجد له صدى من ذي قبل عند ابن رشد، فقد أصر فيلسوف قرطبة على ضرورة معرفة الطبيعة معرفة علمية وتفسير ظواهرها تفسيرا عقلانيا بمنآى عن أي تفسير غيبي أو خرافي أو أسطوري، فلم تعد الظواهر الطبيعية كما يقول صاحب " الكليات في الطب ":" قدرا غير قابل للفهم والتفسير،بل صارت مجالا للتوقع والتدخل البشري" فبالطب مثلا – يقول– يمكننا أن نتدخل لصناعة الصحة بالمقدار المطلوب وفي الوقت المطلوب، وبالفلاحة نتدخل لتحسين النسل والإنتاج إما بتلقيح النباتات أو بإيجاد كائنات جديدة أزكى إنتاجا واكثر مقاومة ".
لأجل ذلك، دعا ابن رشد إلى البرهان كمنهج/طريقة مثلى للوقوف على الحقيقة؛ حقيقة الطبيعة لمعرفة الظواهر المتحكمة فيها ومن ثمة صياغة قوانين ونظريات علمية بصددها ، مما يعني الإيمان برؤية للطبيعة والعالم، رؤية قوامها جملة من المبادئ والأركان؛كالسببية والضرورة والحتمية.
إن أهمية ابن رشد تكمن في كونه ناضل من أجل رؤية عقلانية للطبيعة، هذه الرؤية العقلانية كانت سببا من الأسباب التي دفعتنا إلى اعتباره ممهدا للحداثة الأوربية لكونها أحد شروط الحداثة العلمية. من هذه الجهة يمكن رؤية ابن رشد في مرآة الحداثة ومن ثمة امكانية جعله مدخلا لها من خلال التركيز على مبدأ العقلانية.
الغاية المرجوة إذن من عقد" لقاء" – بلغة ميلان كونديرا- بين ابن رشد والحداثة ليس النظر إلى ابن رشد كمؤسس للحداثة، وإنما البحث عن الجوانب المشتركة بينهما، في مقدمتها جانب العقلانية.




ذ: عبد الحميد الصوفي 
     

التداوي بالفلسفة

على الشاب ألا يتأخر عن التفلسف وعلى الشيخ ألا يمل من تعاطي الفلسفة، إن من يزعم أنه لم يحن بعد الآوان للتفلسف، أو أنه قد فات الآوان، لهو شبيه بمن يقول إن وقت السعادة لم يحن، هكذا عبر " أبيقور" عن الحق في التفلسف غير مكثرت بالزمن والفئة العمرية المستهدفة، فما أحوجنا اليوم إلى العيادة الفلسفية، في عصر تفاقمت فيه الأمراض بشتى أشكالها وأنواعها واستعصى الأمر على الطب في صورته الكلاسيكية... تفاقم حدة الأسئلة الأنطولوجية، مشكلة الحب، الإنتحار ، العنف، التطرف ، الفقر، الموت... هذه القضايا الإستراتيجية الكبرى جعلت الإنسان يشكو من الإنحطاط والتوعك والوهن، فأصبح الانسان المعاصر يجتر حديث النهايات والميتات ( موت الإيديولوجيا، موت الإنسان، موت المقدس...) وكأننا نشاهد قيامة وجودية سابقة لأوانها.


انطلاقا من هذا الوضع الدراماتيكي ننطلق من فرضية مؤداها، الفلسفة والتفلسف قادران على تحرير وعلاج الانسان من كافة الأعراض والأمراض، غير أن تبني هذه الفرضية يسوقنا إلى معالجة شبكة من الإشكالات المترابطة من قبيل: إذا كانت الفلسفة فلسفات فأي فلسفة أجدر بعلاج الإنسان؟ هل تحولت الفلسفة اليوم إلى ملاذ للذين يعانون من ضغط المجتمع واكتساح العدمية لكافة مجالات الحياة الاجتماعية؟ وهل التفلسف نمط معرفة أم نمط وجود؟


ان المتأمل في تاريخ الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، لواجد صرح فلسفي علاجي ضخم بدءا بسقراط ومحاوريه، حيث كان يداوي أناس أثينا بدعوتهم إلى معرفة أنفسهم، مادام الوجود المشترك يقتضي معرفة الذات والغير، فلا غرابة أن نعتبر الثقافة اليونانية ثقافة السؤال وهو المدخل الأساس لكل ممارسة فلسفية. وبواسطة السؤال يتحول الإنسان إلى كائن مبدع ومفكر في ذاته وفي الآخر ولنا في تجربة "سقراط "عبرة، ألم يقل (( لقد كانت أمي تولد النساء وأنا أولد الأفكار)) وفي خضم عملية التوليد يشعر المحاور بالإرتباك والقلق لينتهي به المطاف إلى الارتياح والطمأنينة لأفكار مبنية على أسس متينة ومنطقية وبعده يأتي " أفلاطون " بفلسفة عقلانية غير منفصلة عن واقعها السياسي والإجتماعي. مدشنا عهدا جديدا من العلاج وهو العلاج بالحوار بطريقة هادئة وديمقراطية." أفلاطون " يتغيا علاج المدينة وتطهيرها من الرذائل وترسيخ الفضائل من أجل تحقيق السعادة وهي الكمال التام، والخير المطلق والغاية القصوى من الوجود، ليست السعادة إذن سوى ممارسة الفضائل الإنسانية الخلقية، والفكرية النظرية. هذه هي القضية المركزية الأخلاقية التي أقام عليها أفلاطون فلسفته السياسية. غير أن لأرسطو نظرة مغايرة لأستاذه " أفلاطون" بخصوص التداوي بالفلسفة، فإذا كان "أفلاطون" يرى أن العلاج بالحوار وحده كافيا، فإن أرسطو يتصور حورا بدون قواعد منطقية صورية لا يستحق ساعة عناء، لذلك جعل من المنطق أداة لعلاج المرض. بناء على معرفة قواعد التفكير المنطقي لأجل سبر أغوار النفس وترسيخ الفلسفة العملية ومداواة الرغبات الجارحة. نستنتج مما سلف أن الفلسفة باعتبارها علاجا هي الفلسفة كما نحياها، عوضا عن الفلسفة الغارقة في المتاليات والبعيدة عن عالم الحس والأشياء.


الطريف في الأمر أن الفلسفة بعد أرسطو تحولت بمجملها إلى فلسفة علاجية، فكل التيارات الفلسفية في العصر الهلنستي استهدفت التماس طريق السعادة وسط ظروف شديدة الوطأة. فالأبيقورية تواجه المحن بالدعوة الى التحلي بأعلى قدر من الهدوء والرضا بالواقع مع التشبت باللذة ودرء الألم. هكذا إذن تتحدد مهمة الفلسفة الأبيقورية في إخراج المرض من النفس وإعادة الطمأنينة وهذا مايصطلح عليه بالفلسفة الأصيلة. فعلاج المرض لا يتم بالنحيب والسوداوية وإنما بتمارين روحية تصل إلى حد علاج الألم بالألم لبلوغ اللذة.


الحديث عن الأبيقورية يجرنا مباشرة إلى الحديث عن الرواقية والعيش بالتفلسف vivre en philosophie حيث يؤكد هذا التيار الفلسفي على أن نظرة الفرد لذاته ولعالمه الخاص، تحدد بشكل كبير سلوك الفرد ومدى اضطرابه ويظهر هذا القول بشكل جلي فيما قاله " ايبكتاتس" في القرن الأول الميلادي (( الناس لا يضطربون بسبب الأشياء في حد ذاتها، وإنما بسبب وجهات نظرهم التي يتخذونها تجاه هذه الأشياء )) نستنتج مما سبق ذكره أن الرواقية ثمتل حركة فكرية فلسفية داعية إلى التناغم مع العقل والطبيعة من أجل تحقيق الراحة النفسية للفرد ويتم ذلك عبر الابتعاد عن الرغبات والنوازع غير الطبيعية والحق أن الرواقية أثرت بشكل كبير في مجموعة من التيارات الفكرية، أوضحها. مدارس علم النفس، التصوف...


يبدو أن الحديث عن موضوع الفلسفة والتفلسف، بٱعتبارهما علاجا يمكننا من اختراق تاريخ الفلسفة، فحتى الفلسفات التي يعتبرها البعض صارمة وعقلانية جامحة، مثل الفلسفة الديكارتية نعثر بداخلها على وصفات علاجية، و في هذا الصدد يدعو " ديكارت " إلى تبني فلسفة عملية عوض الفلسفة النظرية العقيمة التي تعلم في المدارس ووعيا منه بالدور العلاجي للفلسفة تصدى لاشكالية " انفعالات النفس " أو بالأحرى طبيعة العواطف في مؤلف يحمل عنوان " انفعالات النفس " وهو عبارة عن خلاصة مركزة لمجموعة من الرسائل التي كان يتبادلها " ديكارت " مع الأميرة إليزابيت وبفضل هذا المؤلف لم يعد ينظر إلى الإنفعالات على أنها أمراض، وإنما أصبح ينظر إليها على أنها تجليات طبيعية وعليه يكون الإنسان عبارة عن فكر ووجدان، انطلاقا من التفاعل بين الاثنين يتحقق التوازن النفسي وإذا كانت الفلسفة المعاصرة عبارة عن ردة فعل ومحاولة للانفلات من قبضة الثنائيات ومجاوزة العقلانية الجامحة، فإنها لم تخرج عن اطار اعتبار الفلسفة علاج ودواء، ألم يمارس " نيتشه" الحفر الجينيالوجي في المرض؟ ألم يتعاطى الكتابة الجارحة كبديل للكتابة النسقية؟ ألم يقل إن كل فلسفة يمكن أن تكون علاجا لصاحبها؟ فكما أنه لا بد للشعب من جنود ينتجون المأكل والملبس فلا بد له أيضا من جنود ينتجون المعنى والقيمة والفكرة ويقومون أيضا بتطبيب الحضارة والتعبير عن عبقرية الشعب، هؤلاء هم الفلاسفة وكأن " نيتشه " أرسى دعائم الفيلسوف الطبيب الذي تتحدد مهمته في البحث عن الصحة العالمية، كما قدم نقذا لاذعاً للعلاجات الكهنوتية وطريقة تعاطي العامة مع المرض، فمعظمهم يلجأ إلى البكاء والحزن والإحساس بالإحباط (( بقطع النظر عن كوني متدهورا، أنا أيضا نقيض المنحط، لقد أثبت ذلك بكوني أتوصل غريزيا إلى اختيار العلاج المناسب دوما في مواجهة حالاتي الصحية السيئة، بينما لا يلجأ المنحط دوما إلا إلى الوسائل المهلكة)) كما اعتبر " نيتشه" أن مجموعة من الأمراض تعود بالأساس إلى قمع الغرائز.


الوقوف على الفلسفة والتفلسف باعتبارهما، نوعا من العلاج، يفترض اعادة بناء التصورات والتمثلات حول الفلسفة، بكونها فن عيش وأسلوب في الحياة وللحياة وليست مجرد اراء وتصورات وخطابا حول خطابات.













تقرير حول التداريب الميدانية و دراسة حالة تربوية: تمثلات المتعلمين لمادة الفلسفة وتأثيرها على الدرس الفلسفي.





بحث البعد الإشكالي لعلاقة الفلسفة بالديداكتيك. تساؤلات وعناصر منهجية أولية


بحث من انجاز: الاستاذ عبد الحميد الصوفي






ملف يضم الأطر المرجعية للامتحانات المهنية لجميع المواد





عبد الحميد الصوفي

الفلسفة والدين.


تكتسي قضية العلاقة بين الدين و الفلسفة،أهمية قصوى في تاريخ الفكر البشري،حيث شكل كل من الدين و الفلسفة تحديا حقيقيا للأخر،فالأديان في صورتها السماوية حينما انبجست في الفضاء الهليني شكلت تحديا كبيرا بالنسبة إلى روح التفكير الفلسفي و صارالإنسان أمام جهازين مختلفين من حيث المفاهيم و الأسس؛ الجهاز المفهومي الأرسطي و من جهة أخرى الجهاز الديني الروحي الذي تمثله الديانات السماوية و الحال أن المنظور الابيستمولوجي للقضية يدفعنا إلى القول بأن الدين شكل ظاهرة فكرية جديدة،كان لزاما على النظرية الفلسفية استعابها و إدماجها ضمن معقوليتها ومن بين المستجدات الدينية مسألة خلق العالم ،البرهنة على وجود الله، خلود النفس البشرية ، علاقة النفس بالجسد .... هذه القضايا ستدفع بالفكر الإنساني في صوره المتعددة إلى رفع التناقض عن العالم رغم اختلاف المنطقات بين الدين والفلسفة إذ يعتمد الفكر الفلسفي على البرهان المنطقي و الإقناع الفكري و نقد الأسس المعرفية، في مقابل الفكر الديني الذي يستند إلى الإيمان الوجداني و الواقع أن التفكير الديني لا يتجه إلى فئة دون أخرى ، بل إنه يتوخى إقناع الناس كافة خاصتهم وعامتهم و لذلك نجده يعتمد في الغالب على الجدل الخطابي و الأسلوب الجدلي الخطابي في الإقناع ، هو نوع من المشادة الكلامية مع الخصم تستهدف إفحامه و إلزامه ، و ذلك بالعمل عل إفساد براهنية أو تحميلها نتائج لم يكن الخصم يقصدها أو يتوقعها ، إنه حركة فكرية عقلية ترمي إلى إبراز تناقض دعوى الخصم أكثر مما تهدف إلى إقامة بنيان متماسك الأركان ، إذ الرسل هم أناس يسعون إلى نقض قوانين العقل و مبادئ المنطق و خرق نواميس الطبيعة و قواعد السببية فالإتيان بالمعجزة ، كان الدليل الأوحد على صحة الرسالة و سلامة مصدرها الإلهي،أما الخطاب الفلسفي رغم قوته و صلابته فإنه لا يمكن أن يخرج عن دائرة الممكن ، و إذا نظرنا إلى قضية العلاقة بين الدين و الفلسفة من زاوية مختلفة ،نجد أنها علاقة قائمة على وشائج من القربى عديدة لكونهما يهتمان بوضع إجابات حول كثير من المسائل و المواضيع الميتافيزيقية.
أدى هذا الوضع المستحدث بين الفلسفة والدين إلى بروز اللاهوت الكنسي في صورة صراع مع الفلسفة بٱسم الدفاع عن الدين و صارت الفلسفة هي بدورها في صراع مع الدين الشعبي و صارت الفلسفة معادية للدين و الدين معاديا للفلسفة و بدا في الظاهر و كان الدين يطلب من الإنسان التخلي عن الفلسفة لكي يكون مؤمنا حقيقيا و بدا و كأن الفلسفة تطلب من الإنسان التخلي عن الدين ليصير فيلسوفا . يعتقد بعض رجال الدين ،أن الفلسفة حينما تتدخل في الشأن الديني كثيرا ما تفسده و تهدمه و تدنسه و أن الدين حينما يتدخل في الشأن الفلسفي كثيرا ما يحرمه و يعطله و يكفره، مما يستوجب وضع علاقة القطيعة بين مجالين مختلفين في الأسس و المنطلقات و الغايات،بعيدا عن لغة التسرع و اصدار الأفكار الجاهزة دعونا نطرح الأسئلة التالية : هل الخصومة بين الفلسفة و الدين هي أمر طبيعي وشيء مثوارت أم هو أمر طارئ وخطأ وقع التسليم به دون تحري أو نقاش؟ ألا يسبب لنا التقريب بين الفلسفة و الدين ارباكا و احرجا؟ و هل يمكن الإقرار بوجود وحدة بين الفلسفة و الدين؟و كيف نفهمها إذا كان الخلاف بينهما قائما ؟ و لماذا نعلم الفلسفة و نحرمها؟


أعداء الفلسفة

تعرضت الفلسفة،بٱستمرار خلال تاريخها البعيد أو القريب إلى أشكال عديدة من العنف و المحاصرة،حيث كان تخوف المناهضين لدرس الفلسفة يقوم في الأغلب الأعم ،على مصادرة قبلية ترى في القول الفلسفي طريقة في النظر النقدي الهادف إلى خلخلة التقليد التراثي المهيمن و من مظاهر العنف االساطعة وصف الفلاسفة بالمجانين و الشواذ و في حالات أخرى إعدام الفلاسفة (إعدام سقراط) و حرق كتبهم و طردهم من المدن، تخويف العامة من التعاطي إلى الفلسفة ، وإذا انتقلنا في الزمان و المكان إلى جغرافيا العالم الإسلامي نعثر على مشاهد سردية تؤكد على ضرورة تحريم النظر الفلسفي لاعتقادهم التام بالكيفية العلمية و العملية للشريعة فٱنبروا يخسسون الفلسفة و الفلاسفة في أعين الحكام و الجمهور ، كما نجد عند ( ابن حبوس،أبي حفص الاغماني، ابن جبير ، الفازازي) و شكلت نصوص *أبو سليمان السجستاني* و فتاوى *ابن الصلاح* في التفسير و الحديث و الأصول و العقائد نصوص راديكالية و عنيفة في حق الفلاسفة ، لقد دعا الأول إلى الفصل بين الدين و الفلسفة و قدم نقدا لاذعا لمنهج إخوان الصفا، رافضا نزوعهم التوفيقي بين الفلسفة و الدين فقال في حقهم: ((تعبوا و ما أغنوا، و نصبوا و ما أجدوا و ما حاموا و ما وردوا، وغنّوا و ما اطربوا، و نسجوا فهلهلوا ، و مشطوا ففلفوا ظنّ ما لا يكون و لا يمكن و لا يستطاع ،ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسّوا الفلسفة - التي هي علم النجوم و الأفلاك و المجسطي و المقادير و آثار الطبيعة ، و الموسيقى التي هي معرفة النغم و النقرات و الأوزان ، و المنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات و الكيفيات –في الشريعة ـ و أن يضموا الشريعة للفلسفة)). منطلقات هذا التصور نكاد نجملها في القول بأن صاحبه يعتقد أن الجهل بالعلوم القديمة من الأمور التي لا تضر المرء شيئا لأن العلم كله و الحكمة كلها في الكتاب العزيز ، لذلك يدعو إلى الاستمساك بالشريعة و الاقتصار عليها دون غيرها ، بٱعتبار أن الشريعة هي وحدها التي تقول الكلمة الفصل في كل معرفة ممكنة ، أما ابن الصلاح صاحب الفتاوى، كان قاسيا إلى حد يعيب على الفلسفة و الفلاسفة حينما تساءل في فتاويه في "مسألة فيمن يشتغل بالمنطق و الفلسفة تعلما و تعليما . هل المنطق جملة و تفصيلا مما أباح الشرع تعلمه و تعليمه(...) وما الواجب على من يتعليمه و تعلمه؟ ما الذي يجب على سلطان الوقت في أمره ؟و إذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروف بتعليمها و إقرائها و التصنيف فيها ، و هو مدرس في مدرسة من مدارس العلم فهل يجب على سلطان تلك البلدة عزلة وكفاية الناس شره و أجاب " الفلسفة رأس السفه و الانحلال ، و مادة الحيرة و الضلال ، و مثار الزيغ و الثرثرة . و من تفلسف بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة و المؤدية بالحجج الطاهرة و البراهين الباهرة . و من تلبس بها تعليما قارنه الخذلان و الحرمان و استحوذ عليه الشيطان ". و هذا التشدد يذكرنا بما قاله ابن تيمية من تمنطق تزندق
هذه شواهد قليلة في حق الفلسفة و الفلاسفة في الماضي أما الحاضر أنكى و اشد ، خصوصا حينما تتضافر آلة العنف المادي و الرمزي من منا لا يتذكر ما وقع ل فرج فوده صاحب كتاب نكون أو لا نكون ثم سلمان رشدي صاحب رواية آيات شيطانية و أخرا و ليس أخيرا ما جرى للأديب المصري طه حسين في عقر داره و محمود أركون .


أصدقاء الفلسفة 

إذا كنا نميز في مجال السياسة
 بين الصديق و العدو ، فالفلسفة هي أيضا لها أعداء كثر و لها أصدقاء دافعوا عنها عبر التاريخ و لازالوا يدافعون عنها إلى اليوم رغم أنها لا تحتاج إلى من يدافع عنها بل تفرض فقط وجود شروط معينة لكي تظهر أن قصة العلاقة بين الفلسفة و الدين في صوره الثلاث ، اليهودية و المسيحية و الإسلام هي قصة تاريخ واحد بجغرافية متعددة ، أنها قصة تتلون بلون الفضاء الذي تظهر فيه ، فالتراث الغربي هو بدوره عاش في فترة ما .هذا الصراع بين المنظومة الأرسطية و الفكر الديني الذي كان يدافع عنه أباء الكنيسة غير أن هذا الصراع حسم لصالح الفلسفة مع القديس أوغسطين ، طوما الاكويني و السبب هو دخول وافد جديد لفضاء الإشكالية و هو العلم ، لذلك لا نستغرب لقول هيجل" يبدو أنه قد حل العصر الذي يمكن فيه للفلسفة أن تنشغل بالدين بأكثر حرية و بصورة أجدى و أنجع". لان مضمون الدين هو نفسه مضمون الفلسفة ، لذلك يرى "هيجل" في الدين القدرة على إبراز قيمة الحقوق التي يعلمها العقل و يطبقها ، ولكي تفسح هذه القدرة المجال لبلوغ فكرة الله، يجب أن ينفذ الدين إلى روح الشعب و عاداته ، يجب أن يكون حاضرا في مؤسسات الدولة و في ممارسات المجتمع .و لنا شهادة أخرى في قول ليو شتراوس" إن التحالف بين الفلسفة و الدين يشكل مخرجا لازمة الحداثة و إذا عدنا إلى جغرافيا العالم الإسلامي فإننا نعثر على ماسسة التصالح بين الفلسفة و الدين ، إن مشروع( بيت الحكمة) الذي أطلقه الخليفة المأمون يعبر عن واحدة من لحظات المصالحة بين العقل و الدين في تاريخ الإسلام و ذلك انه ترجع الحاجة إلى مطلبين : إلى استعارة النظم العقلية لحضارات أخرى خاصة الإغريقية و بيئتها في الثقافة الإسلامية من خلال ترجمتها إلى اللسان العربي ثم إن الحاجة إلى مد الإسلام دولة و عقيدة بالسلاح الأمضى في مواجهة خصومه ، غير أن ترجمة إعمال أرسطو إلى اللسان العربي احدث منعطفا جديدا في الذهنية الإسلامية ، إذ تم اكتشاف تصور يعارض و يناقش الدين حول الله و الإنسان و العالم غاية في البناء و الرصانة، ابهر العقول و في نفس الوقت بين الرعب في القائمين على الشأن الديني. لهذا وجد فلاسفة الإسلام أنفسهم مطالبين بتقديم جواب لإشكال علاقة الحكمة بالشريعة و هو الأمر الذي انبرى له ـ أبو الوليد بن رشد ـ في تلاثيتة الشهيرة " فصل المقال "، " الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة "،" تهافت التهافت " و من نافل القول إن ابن رشد سيؤكد عل أهمية الفطرة الفائقة و يجعلها من شروط النظر الفلسفي و من شروط التعلم ويؤكد بان كتب البرهان لا يقف عليها إلا أهل الفطرة الفائقة ؛ فالتلاقي بين المنقول و المعقول يتم لمناسبة صحة الفطرة ، و أن الانفصال بينهما يتم لمناسبة نقص الفطرة ، فالفطرة الناقصة عائق طبيعي أمام كمال المحبة التي قامت بين الحكمة و الشريعة ، و هذه الفطرة هي التي تجعل المرء يعلم أن النظر الشرعي لا يخالف النظر الفلسفي بل يعلم أن الشرع يدعو إلى فعل التفلسف و يجعله كمالا للإنسان ،كما يفصل في "فصل المقال " و أن الأدلة القرآنية لا تخالف الأدلة الفلسفية كما بين في " المناهج" و أن التأمل الذي هو عصب النظر الفلسفي هو أيضا عصب النظر العقلي كما بين في بداية المجتهد ، الحكمة و الشريعة، أختان من الرضاعة و كلاهما حق و الحق لا يضاد الحق بل يوافقه و يشهد له.
يمكن أن نفهم الهجوم على الفلسفة و الفلاسفة في ضوء المتغيرات الاجتماعية و السياسية و قصور الرؤية في العصور السابقة ، أما اليوم يصعب علينا العودة إلى الاشتباك بين الفلسفة و الدين ، بل المر يفترض تعايش المجالات من أجل بناء الإنسان و لا ننسى أن اكتساب أوليات التفكير الفلسفي . يمكن أن يساهم في تعويد الناشئة من الأجيال الجديدة على أدراك أهمية التعدد و الحوار و الاختلاف و التسامح ، فالكثير من مظاهر القصور في أنظمة الثقافة و السياسة و الاقتصاد في مجتمعاتنا تعد محصلة لعدم قدرتنا على توطين القيم الفلسفية في أنظمة تعليمنا ، في جميع أطواره و أسلاكه و تخصصاته .ففي الوقت الذي حسم فيه الفكر الغربي مع دور و أهمية الفكر الفلسفي و العلوم الإنسانية من اجل ترسيخ الفكر النقدي و تقديم أجوبة في الحاضر و التاريخ لازال الخطاب الفلسفي في البلدان العربية يحارب تطرف عديدة و الأدهى من ذلك أن بعض الأنظمة التعليمية في العالم العربي التي اختارت في وقت سابق الانخراط في العصر و شرعت في تدريس الفلسفة و لو بطريقة مؤدلجة اليوم تنقلب على نفسها من خلال نشر تصورات و أفكار مسمومة في الناشئة و الدليل الساطع ظهور كتب مادة التربية الإسلامية التي تهاجم و تحرض ضد الفلسفة .بناء على هذا الحدث و ما رافقه من نقاشات نكاد نقول أننا سنعيش رجات مجتمعية و سياسية ما لم نقدم جوابا شافيا عن السؤال التالي : من هو المواطن أو الفرد الذي نريد اليوم؟
بات من المؤكد والضروري أن نشر ثقافة التسامح و التعايش و قبول الأخر المختلف ، حاجة أساسية و ملحة يجب زرعها في نفوس و عقول الأجيال ، لإنها تساهم بشكل فعال في خلق مجتمع واع قادر على تحمل أعباء المسؤولية و قيادة المرحلة القادمة هي المطالب لا يمكن ترسيخها إلا بواسطة نشر روح الفكر الفلسفي و من يدعو إلى طريق أخر فهو أفاك.




ذ: عبد الحميد الصوفي

      
في الحاجة إلى الإصلاح الديني هنا والآن

هناك اليوم عودة قوية للدين في الكثير من المجتمعات الانسانية، إلى درجة الحديث عن احتلال الدين للفضاء العمومي وتغلغل المسألة الدينية في الكثير من المجالات ( السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، العلم....) رغم عدم موافقتنا على استخدام مثل هذه الأوصاف التي لم تصل بعد الى مستوى التحرر من الأحكام المسبقة، هذه العودة بطبيعة الحال ليست بريئة، بقدر ما يمكن مساءلتها وقراءتها في ضوء السياق الذي ننتمي إليه، سياق اختلف في وصفه، بين من يصفه بسياق العنف والحروب واختلال القيم مع تصدع المفاهيم وبين من يصفه بسياق التقدم والرفاه الاجتماعي وأمام التحديات على مستوى الفهم والتفسير، نستحضر الحكمة السبينوزية: لاشيء يستدعي الحزن ولا شيء يستدعي الفرح وإنما كل شيء قابل للفهم، ولفهم هذا التجاذب دون منافحة نكاد نتساءل: ما الأسباب التي تقف وراء الطلب المتزايد على المسألة الدينية؟ هل الدين كنص في حالة الاسلام يمكن أن يكون دافعا نحو كسب معركة التنمية والتقدم؟ هل الدين اليوم يقدم جوابا عن الأسئلة التي يطرحها الانسان؟ والى أي حد يمكن أن يشكل الدين مرجعية لاستمداد الأجوبة عن الاسئلة الكبرى؟ وكيف يوظف الدين في صناعة ملحمة العنف؟


هل يعقل أن يموت الانسان من أجل الدين؟
إننا نشاهد عودة للدين، وانبعاثا للعامل الديني، في المجتمعات الصناعية التي دخلت عصر العلم مند فترة طويلة ومن مؤشرات طغيان المسألة الدينية، انبعاث الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية من رحم الأحزاب الليبرالية والعلمانية في الغرب أو الشرق، تديين العلوم إلى درجة الحديث عن العلوم الروحية أو الدينية، إعادة بناء الخطاب العلماني، كخطاب متصالح مع الدين وليس خطابا داعيا إلى إخراج الدين من الفضاء العمومي، أسلمة العنف.....كل هذه المؤشرات وغيرها يذكرنا بما قاله أندريه مالرو: إما أن يكون القرن الواحد والعشرين قرنا دينيا أو لايكون..ولأجل تأمل هذه العودة ، يلزم قرائتها كما هي عليه لا كما نريدها، وسعيا وراء هده الغاية، نعلن ضرورة الفصل المنهجي بين الدين والتدين، فالموضوع الأساسي والمحوري في الدين هو الله ومنه يأتي ويتفرع كل شيء رغم اختلاف التمثلات التي يحملها المعتقدون في الدين، لذلك فأي تعريف للدين يجب أن ينطبق على جميع الديانات، من أكثرها بدائية الى أكثرها تطورا وتعقيدا، ولكي نستطيع صياغة مثل هذا التعريف، ينبغي لنا أن نبحث عما هو مشترك بين الديانات المعروفة جميعا، ونسقط من حسباننا تلك الأفكار والمعتقدات التي يختص بها دين دون آخر. حيث يحيل الدين على المعتقد الذي يحدد علاقة الانسان بالمقدس، خلافا للتدين الذي يعني في أبسط معانيه مجموع الممارسات والتعاليم التي يقوم بها الأفراد داخل المجتمع، مما يبين بالملموس الفارق بين بين الدين والتدين وكأننا نود التمييز بين المطلق والنسبي، هذا الاختلاف بين الاثنين تم اضماره من طرف المؤسسات الدينية، من أجل تشكيل نخبة وهمية تدعي حراسة النص الديني، وجعلوا من كل اعتراض أو نقد لما يعتقدون فيه، كأنه هجوم على النص المقدس نفسه، وبسبب هدا الخلط تؤدي الشعوب الثمن الباهض، الحروب والصراعات المذهبية وفكرة الفرقة الناجية... كل هذه الوقائع في ما أعتقد هي نتاج الفكر الديني وليس الدين. فما العمل؟ في ما أعتقد أننا أمام مسيس حاجة الى القيام بإصلاح ديني شامل على اثره تتم إعادة النصوص الدينية إلى أهلها بدون وسائط. كما لا يخفى على بال أي باحث أو دارس لقضايا وهموم المجتمع، أن يلحظ بأن عدم الاجابة عن سؤال الدين في علاقته بالمجالات الأخرى، يساهم بشكل قوي في الرجات المجتمعية ويغذي العنف والتطرف، الفقر، ضياع الكائن البشري...والمستفيد الأكبر من هذا الوضع الكارثي هو الأنظمة السياسية الاستبدادية...التي تتغذى من الطائفية والتمذهب، والمدمن على قراءة التاريخ يكتشف أن الأنظمة التسلطية تدرك بقوة أن العنف لا يشكل تهديدا بالنسبة اليها بقدر ما يقويها ويشرعن مؤسساتها الفاقدة للشرعية والإجماع، لكن ما تخشاه هو اشاعة الفكر الحر، التربية على القيم، وانتشار الفكر النقدي... لذلك عوض أن تطالب المؤسسات الدينية الأفراد بالصبر على اللاعدالة الاجتماعية، وترهقهم بكثرة الفتاوى التي لاتغني ولاتسمن من جوع، عليها بالأحرى أن تطالب الأفراد باستخدام عقولهم الخاصة وعقلنة ممارستهم اليومية، فإذا كان الدين يسعى إلى بناء الكائن البشري، انطلاقا من التكريم والتشريف، فان الفكر الدينى يدفع بهذا الكائن الى العدمية والتيئيس، بمعنى اخر اذا كان الدين في خدمة الانسان، فان الانسان اليوم في خدمة الفكر الديني وربما هذا ما يفسر موت بعض الأفراد في سبيل الدين فيما يعتقدون. والحقيقة التي لا يخطئها ناظر، هي أنهم يموتون بسبب تحالف الديني مع السياسي.
بناء على الملاحظات السالفة، يبدو أننا وصلنا الى مرحلة الاختيار، أما الدعشنة (داعش) أو الإصلاح الديني كحلقة غائبة في تاريخ العرب، والعقل السليم في ما يبدو يميل إلى ضرورة استنهاض النخبة الواعية للمطالبة بإصلاح ديني راديكالي.




جميع الحقوق محفوظة © أغورا الفلسفة | Agora-Philo
صمم بكل من طرف : Mehdi Bihi